عبد الرحمن بدوي
8
أفلاطون في الاسلام
إن هذا العلم غير ممكن أن يحصل للإنسان في الموجودات ، وأن الذي يمكن والذي في طبع الانسان أن يحصل له من العلم ليس هذا العلم ؛ بل إن العلم الذي يحصل له بالموجودات هو ما يراه واحد واحد من الناظرين في الأمور وما يمكن أن يعتقده واحد واحد ؛ وإن العلم الطبيعي للإنسان هو بحسب ما يحصل في اعتقاد واحد واحد ، لا هذا الذي يجوز أن يطمع فيه طامع فلا يلحقه . فبين أفلاطون - بعد أن فحص عما يقوله افروطاغورس [ و ] أن هذا العلم ، على الصفة التي بيّنت في كتاب ثائطيطوس ، ممكن أن يحصّل ويؤخذ ، وإن هذا العلم هو من الكمال الإنسانى ، لا ذلك الذي يقوله افروطاغورس . وهذا في كتابه المعروف ب « افروطاغورس » . - 5 - ثم فحص عن هذا العلم الذي يمكن أن يحصّل : هل إنما يحصّل باتفاق ، أو إنما يحصّل عن فحص ، أو عن تعليم وتعلم ؟ وهل يوجد فحص أو تعليم ، أو تعلّم يحصل عنه هذا العلم ، أو لا يمكن أن يوجد فحص ولا تعليم ولا تعلّم أصلا يحصل عنه هذا العلم على ما كان يقوله مانن - معناه : ثابت « 1 » - فإنه كان يزعم أن الفحص والتعليم والتعلّم باطل لا ينتفع به ، ولا يوصل إلى علم . بل إمّا أن يعلم الانسان الشئ لا عن فحص ولا عن تعليم ولا عن تعلّم ، بل بالطبع والاتفاق ؛ وإما أن ما جهل لا يمكن أن يعلم لا بفحص ولا بتعلّم ولا باستنباط ، وأن المجهول يبقى أبدا مجهولا - إن « 2 » كان إنما سبيله عند القائلين بالفحص أن يكون يدرك بفحص أو
--> ( 1 ) مانن - Mevwv - وهو اسم علم ورد في الالياذة 12 : 193 ؛ وعند ثيوكيديدس 2 : 22 ؛ واكسينوفون : « الذكريات » 2 ، 7 ، 6 . واشتقاقه من الفعل اللازم بمعنى : يبقى ، يثبت . والاشتقاق الذي أورده الفارابي هنا اذن صحيح . ( 2 ) يضيف ط حرف واو العطف : ( و ) ان كان - وهذا يفسد المعنى .